لم يعد "الأمن المائي" مجرد قضية بيئية في الخطاب الإماراتي، بل تحوّل إلى أداة نفوذ دبلوماسي تُدار بعناية في لحظة دولية حساسة، تتقاطع فيها الاستدامة مع السياسة وحقوق الإنسان.

فمع اقتراب موعد مؤتمر الأمم المتحدة للمياه المقرر عقده في الإمارات نهاية العام، تتكثف التحركات الدبلوماسية لأبوظبي تحت عنوان الشراكات الإنسانية والاستثمار في حلول الندرة المائية، غير أن هذا الحراك يتجاوز بعده التنموي ليأخذ أبعادًا جيوسياسية أعمق.
في هذا السياق، يبرز ما يمكن تسميته بـ"دبلوماسية العطش"؛ استراتيجية توظّف مشاريع المياه والمساعدات التقنية والتمويلات العابرة للحدود كوسائل لإعادة التموضع السياسي، وبناء شبكات نفوذ في مناطق تعاني هشاشة مائية واقتصادية. فالمياه هنا لا تُقدَّم بوصفها مورداً إنسانياً فحسب، بل كمدخل لإعادة صياغة التحالفات وتعزيز الحضور الدولي.

وبينما يُعاد إنتاج خطاب الاستدامة في المحافل الأممية، يتوازى ذلك مع سعي حثيث لإعادة تعريف أولويات حقوق الإنسان في النقاش الدولي، عبر التركيز على "الحقوق التنموية" مقابل تراجع المساءلة عن الحقوق السياسية والمدنية. هكذا تتحول مفاهيم الأمن المائي والتكيف المناخي إلى عناوين جامعة تخفف الضغط عن ملفات داخلية شائكة، تشمل قيود المشاركة السياسية، واستمرار احتجاز معتقلي الرأي، واتساع الرقابة على الفضاء العام.

كما أن توظيف قوانين مكافحة الإرهاب والجرائم الإلكترونية في الداخل، بالتزامن مع تسويق صورة الدولة كراعٍ للحلول البيئية عالميًا، يخلق مفارقة واضحة بين الخطاب الخارجي والممارسة الداخلية. فمن جهة، تُقدَّم الإمارات كشريك عالمي في مواجهة تحديات الندرة المائية؛ ومن جهة أخرى، تتواصل سياسات تضييق المجال العام وتجفيف مساحات التعبير.

أكاديميون وحقوقيون في معتقلون في سجون أبوظبي

تحول الماء إلى عملة سياسية

لم يكن ضخ الإمارات لأكثر من 2.5 مليار دولار في مشاريع المياه في أفريقيا وآسيا خلال العامين الماضيين مجرد فعل خير عابر؛ فالتتبع الزمني لهذه الاستثمارات يكشف عن تقاطع مثير للاهتمام مع خريطة التحالفات السياسية؛ ففي دول مثل كينيا وإثيوبيا وسيراليون وأوزبكستان وأنغولا، تزامنت عقود تحلية المياه الكبرى مع تصويت هذه الدول في محافل دولية ضد قرارات تدين ممارسات أبوظبي الحقوقية داخل الإمارات وفي الدول الأخرى مثل اليمن والسودان وليبيا، مما يثير تساؤلات حول استخدام "الحق في الحياة" كأداة للمقايضة السياسية الناعمة.

إن التتبع الزمني للاستثمارات الإماراتية يكشف عن نمط من "الاستقطاب الصامت" في دول الجنوب العالمي. ففي كينيا، شهد عام 2024 توقيع اتفاقية بين شركة G42 وشركة "إيكوكلاود" لبناء مركز بيانات بقدرة 1 جيجاوات يعمل بالطاقة الجيوحرارية. هذا المشروع الذي تبلغ قيمته مليار دولار يضع أبوظبي في قلب التحول الرقمي الكيني، ولكنه يثير تساؤلات حول استخدام المياه الجوفية في منطقة "أولكاريا" لتبريد الخوادم في وقت تعاني فيه البلاد من موجات جفاف متكررة.

في فبراير الجاري استقبل رئيس الدولة رئيس سيراليون يوليوس مادا بيو لتوقيع اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة (CEPA)، مع الثناء على مبادرات الإمارات المائية والتقنية مثل "الذكاء الاصطناعي من أجل التنمية".

هذا النوع من "الدبلوماسية المتكاملة" يربط احتياجات البقاء الأساسية (الماء والطاقة) بالولاء السياسي. إن الدول التي تجد نفسها مخيرة بين الدفاع عن مبادئ حقوقية مجردة، وبين الحصول على تكنولوجيا تحلية تنقذ الملايين من مواطنيها، غالباً ما تختار المسار الذي يضمن استقرارها التنموي، وهو ما يمنح أبوظبي نفوذاً لا يمكن للمنظمات الحقوقية منافسته؛ إنها عملية "استقطاب صامت" تجعل من صوت الإمارات مسموعاً ومقدراً في عواصم كانت، إلى وقت قريب، تنتقد سجلها بشدة.

تحليل أنماط التصويت في الأمم المتحدة والارتباطات مع الإمارات
تشير سجلات مجلس حقوق الإنسان للأمم المتحدة (UNHRC) إلى أن الدول المستفيدة من المشاريع الإماراتية الكبرى تميل إلى الامتناع عن التصويت أو معارضة القرارات التي ترى أبوظبي أنها "مسيسة" أو تستهدف سجلها الداخلي؛ على سبيل المثال، خلال الدورة 57 للمجلس في أكتوبر 2024، حظيت القرارات المتعلقة بالحقوق التنموية والبيئية بتأييد واسع من كتلة دول الجنوب، في حين شهدت القرارات المتعلقة بحالات دولية مثل السودان ودور أبوظبي فيها تقارباً أو صمتاً ما يعكس تأثير هذه الشراكات.

وعلى الرغم من الرد الرسمي الذي يؤكد أن المساعدات "غير مشروطة"، إلا أن التقارير الاقتصادية تشير إلى أن الشركات الإماراتية الكبرى (مثل مصدر وG42) هي التي تستحوذ على عقود التنفيذ والإدارة طويلة الأمد. هذا التداخل بين المنح الإنسانية والعقود التجارية يخلق حالة من "الارتهان التقني" للدولة المانحة، حيث تصبح تكنولوجيا المياه أداة سيادية بيد أبوظبي، يمكن تحريكها وفقاً لبوصلة مصالحها المشتركة.

المساعدات الإماراتية لا تُمنح فقط بناءً على الاحتياجات التنموية، بل تتأثر بسياسة الدولة المتلقية، حيث يُعد التصويت في الأمم المتحدة الوسيلة الأبرز التي تقيس من خلالها الدول المانحة مدى هذا التوافق.

متظاهرون يحملون صور بعض معتقلي الرأي خلال مؤتمر  المناخ (كوب 28) بدبي - ديسمبر 2023

"حقوق البقاء" في مواجهة "حقوق التعبير"

تتبنى الدبلوماسية الإماراتية هجوماً في المحافل الدولية، يقوم على فلسفة "الاحتياجات الأساسية" بدلاً من الحقوق الأساسية الموجودة في الإعلان العالمي والمواثيق الدولية. وهذه الاحتياجات: المياه والصرف الصحي، القضاء على الفقر والجوع، وضمان الصحة الجيدة، والتعليم الشامل، تمكين المرأة. حتى أن مجلة الإمارات وحقوق الإنسان (رسمية)، في عددها الأول، ركزت معظم صفحاتها على المساعدات الخارجية للدولة، والحقوق البيئية والاستدامة، وحقوق المرضى، وتمكين المرأة في العمل، وأشارت إشارة طفيفة إلى حرية التعبير باعتبارها واحدة من التحديات المعاصرة التي يمكن موازنة الأمن والاستقرار مع العهد الدولي، وتضمنت تقريراً "حول تحديات حقوق الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي".

وعلى نفس السياق؛ تشير خطابات الإمارات أمام مجلس حقوق الإنسان، للترويج المستمر لمفهوم أن الحقوق الاقتصادية والبيئية يجب أن تسبق الحقوق المدنية والسياسية، وأن "الأمن والاستقرار" والرفاه الاقتصادي يأتي قبل حرية الصحافة وحرية التعبير. هذا التوجه يهدف بوضوح إلى إحراج المنظمات الغربية التي تركز على ملفات السجناء السياسيين أو قوانين مكافحة الإرهاب، عبر اتهامها بـ "الترف القيمي" والانفصال عن معاناة الجوعى والعطشى.

هذا الانقسام في السردية الحقوقية لا يهدف فقط للدفاع عن النفس، بل يطمح لقيادة تيار عالمي جديد يضم دولاً استبدادية ترى في النموذج الإماراتي "مخرجاً آمناً" من الضغوط الغربية؛ فمن خلال تصدير فكرة أن الإمارات هي "بطلة الحقوق التنموية"، يتم تهميش القضايا الحقوقية التقليدية وتحويلها إلى مجرد تفاصيل ثانوية أمام "الإنجازات الكبرى" في إنقاذ البشر من العطش، وهو ما يسميه بعض الأكاديميين "بالتعمية الإنسانية".

ويواجه هذا الخطاب تحديات قانونية وأخلاقية؛ فمنظمات حقوق الإنسان ترفض هذا التقسيم، مؤكدة أن الحق في الماء لا يعفي الدولة من احترام كرامة الإنسان وحريته. كما أن محاولة أبوظبي اختزال حقوق الإنسان في "توفير الخدمات" يُنظر إليه في عواصم الاتحاد الأوروبي على أنه تراجع عن المكتسبات الدولية التي تعتبر الحقوق وحدة واحدة لا تتجزأ، مما يضع "دبلوماسية العطش" في صدام مع الاتفاقيات التجارية الدولية.

وزارة الخارجية تشارك في الحوار العالمي حول صياغة قضايا المياه - فبراير 2026

المأزق الحقوقي

يعتقد المسؤولون في أبوظبي أن الاستراتيجية الحالية مفيدة للغاية، حيث ترى أن امتلاك مفاتيح المياه والذكاء الاصطناعي تصبح "أكبر من أن تُحاسب". ومن هنا، نجد أن الضغوط الدولية على الإمارات بشأن قضايا مثل قوانين العمل أو حرية الصحافة قد تراجعت بشكل ملحوظ، ليس بسبب تحسن في تلك الملفات، بل لأن هيئات الأمم المتحدة ودولاً غربية عديدة تستفيد من الأموال الإماراتية لمواجهة أزمات التمويل في قضايا البيئة والجفاف خلال السنوات الماضية.
في ديسمبر 2025، عقد الحوار الحقوقي الثالث عشر بين الإمارات والاتحاد الأوروبي في أبوظبي.

وعلى الرغم من إثارة قضايا حساسة مثل عقوبة الإعدام وحرية التعبير، إلا أن النقاش تحول بسرعة نحو "التعاون العملي في الحقوق الرقمية وحماية البيئة". وعلى الرغم من رفض الاتحاد الانتقال للمستوى الثاني من التعاون الاقتصادي دون الحقوق المدنية والسياسية، إلا أن هذا التحول يعكس رغبة دولية في الحفاظ على الشراكة مع أبوظبي كـ "مزود للحلول" في ملفات الطاقة والمياه، حتى لو كان ذلك على حساب الضغط في الملفات الحقوقية التقليدية.

وتجد منظمات حقوق الإنسان الدولية نفسها في مأزق غير مسبوق أمام "دبلوماسية العطش"؛ فعندما تتحدث المنظمات عن الوضع السيئ لحقوق الإنسان في الإمارات، ترد الأخيرة بعرض أرقام لآلاف الأطفال الذين تم إنقاذهم من الأمراض المنقولة بالمياه بفضل مشاريعها. هذا الابتزاز بالنتائج الإنسانية يجعل من نقد المنظمات يبدو "عدائياً" أو "غير مقدر للجهود الإنسانية" في نظر الجمهور العريض، خاصة في الدول النامية.

ويمثل استضافة الإمارات لمؤتمر الأمم المتحدة للمياه في نهاية عام 2026، بالاشتراك مع السنغال، التجسيد النهائي لنجاح "دبلوماسية العطش". تهدف أبوظبي من خلال هذا المؤتمر إلى إدماج "الحقوق المائية" في صلب العمل الحقوقي الدولي، ولكن من منظورها الخاص الذي يركز على الكفاءة والابتكار والاستثمار بدلاً من المساءلة والحرية.

من خلال رئاستها للمؤتمر، ستمتلك الإمارات القدرة على تحديد الأجندة الدولية للمياه للسنوات العشر القادمة. وتشير التحضيرات التي تمت في نيويورك عام 2025 إلى أن التركيز سينصب على "إعادة استخدام المياه" و"التمويل المبتكر" وشراكات القطاع الخاص، وهي المجالات التي تتفوق فيها الشركات الإماراتية. تريد أبوظبي من هذا المسار البقاء في دور "الميسر العالمي" الذي لا يمكن الاستغناء عنه، مما يجعل أي نقد لحقوق الإنسان في الدولة يبدو هامشياً أمام المهمة "المقدسة" لإنقاذ الكوكب من الجفاف.

في نهاية المطاف، يبقى السؤال قائماً: هل ستنجح أبوظبي في فرض تعريفها الخاص لحقوق الإنسان عبر "دبلوماسية العطش"؟ المؤشرات في 2026 توضح أن استراتيجية "الارتهان التقني" و"التعمية الإنسانية" قد أثمرت عن تراجع ملحوظ في الانتقادات الدولية لانتهاكات أبوظبي الفظيعة في حقوق الإنسان. فالعالم الذي يواجه أزمات مناخية طاحنة يميل إلى تقدير "قوارير المياه" أكثر من "تقارير الحريات".