أحدث الأخبار
  • 11:59 . في يوم المعلم العالمي.. دعوات بالحرية لجميع معتقلي الرأي في سجون أبوظبي... المزيد
  • 11:17 . حاكم عجمان يصدر قراراً بتعيين مدير عام لـ "التنمية السياحية"... المزيد
  • 11:16 . دراسة تحذر من آثار مواد كيميائية خطيرة على الحامل وجنينها... المزيد
  • 11:06 . 15 قتيلا بعد غرق قارب لمهاجرين قبالة سواحل اليونان... المزيد
  • 11:06 . خلال تسعة أشهر.. "خيرية الشارقة" تتكفل بعلاج أكثر من 12 ألف حالة مرض مزمنة... المزيد
  • 11:05 . بعد ساعات من تحليق آخر فوق اليابان.. كوريا الشمالية تطلق صاروخا باليستيا باتجاه البحر... المزيد
  • 11:04 . بينهم وزراء جدد للدفاع والنفط والصحة.. إعلان التشكيل الحكومي الجديد في الكويت... المزيد
  • 11:04 . خلال لقاءه وفداً من المعلمين.. رئيس الدولة يؤكد على أهمية الاستثمار في "التعليم النوعي وليس الكمّي"... المزيد
  • 11:03 . أبطال أوروبا.. الريال ومانشستر سيتي على مشارف ثمن النهائي وفوز أول لتشلسي ويوفنتوس... المزيد
  • 10:10 . في وقت يُضطهد المسلمون في الهند.. افتتاح أول معبد هندوسي بدبي يثير انتقادات واسعة... المزيد
  • 09:39 . "أوبك+" يخفض إنتاج النفط بمقدار مليوني برميل يوميا... المزيد
  • 06:54 . لأول مرة في ثلاثة أشهر.. انخفاض مؤشر مديري المشتريات في الدولة لـ56.1 نقطة خلال سبتمبر... المزيد
  • 12:03 . أوكرانيا تعلن إسقاط ست مسيرات انتحارية إيرانية جنوبي البلاد... المزيد
  • 12:00 . اجتماع لأوبك بلس يناقش اليوم إستراتيجية إنتاج النفط للشهر المقبل... المزيد
  • 12:00 . دراسة: بعض ملوثات الهواء تزيد خطر الإصابة بسرطان الثدي... المزيد
  • 11:55 . ترامب يطلب من المحكمة العليا الأمريكية التدخل بشأن قضية الوثائق المصادرة من منزله... المزيد

"صناعة الخوف" .. استقراء لإستراتيجيات جهاز أمن الدولة في إخضاع المجتمع الإماراتي

تقرير خاص – الإمارات 71
تاريخ الخبر: 19-07-2022

خلال السنوات القليلة الماضية، برزت تساؤلات هامة من داخل وخارج الإمارات، حول أسباب اختفاء انتقاد المواطنين لسياسات الدولة، وظهور صوت واحد هو صوت السلطة ورؤيتها، وباستثناء الأشهر الأخيرة التي شهدت ارتفاع صوت الشارع الإماراتي نتيجة الغلاء وارتفاع نسبة البطالة بين الخريجين، فإن المشهد خلال العقد الماضي كان محكوما بالصوت الحكومي الرسمي ومن يدور في فلكه فقط. 

يحاول "الإمارات 71" في هذا التقرير استقراء التحولات التي شهدها المجتمع الإماراتي خلال العقدين الماضيين، واستكشاف الإستراتيجيات التي اتبعها –ولا يزال- جهاز أمن الدولة في "صناعة الخوف" في نفوس أبناء الإمارات، وتسليط الضوء على أبرزها هذه الاستراتيجيات.

الطريق نحو القمع

يمكن القول أن مسار التضييق بدأ منذ تسعينيات القرن الماضي، ولكن أبرز ملامحه ظهرت للعيان بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، حيث بدأ جهاز الأمن في التمدد والتغول على الحياة المدنية.

وفي عام 2006 قدم رئيس الدولة -آنذاك- الشيخ خليفة بن زايد -رحمه الله- وعوداً بالمشاركة السياسية للإماراتيين، وعلى أساس هذا الوعد الممنوح من رئيس البلاد، كان المواطنون ينتظرون تحقيق مشاركة سياسية يرتفع معها سقف حرية التعبير، و كانت النقاشات حول صلاحيات المجلس الوطني الاتحادي، وضرورة انتخاب أعضائه من كل أفراد المجتمع، حديث المجالس والمنتديات الإماراتية.

وعلى إثر ذلك وفي العام 2011م تقدم أكاديميون وناشطون من مختلف التيارات؛ بعريضة إصلاحات تطالب بمجلس وطني اتحادي (برلمان) كامل الصلاحيات، منتخب من كل أبناء الشعب. كانت مطالبَ أولويةً ومشروعة، إلا أن أبوظبي ضاقت ذرعاً بالعريضة وأصحابها، وكان ردُّها قاسياً وعنيفاً، فتسارعت خلال السنوات التالية وتيرة خنق ومصادرة حق الإماراتيين في التعبير عن آرائهم، بأساليب واستراتيجيات عديدة، نستعرض أبرزها:

١- تفكيك مؤسسات الدولة والسيطرة عليها: انقضّت السلطة الأمنية بكامل قوتها على السلطتين القضائية والتشريعية وجعلتهما أدواتٍ تابعةً لها، بدلا من أن تقوم هذه السلطات بدورها الدستوري في حماية المواطنين من تمدد وتغوّل السلطة التنفيذية وأذرعها الأمنية.

فقد فشل المجلس الوطني الاتحادي (البرلمان) فشلاً ذريعاً في تمثيل المواطنين، حيث يتم تعيين نصف أعضائه الأربعين، ويتم انتخاب النصف الآخر من نسبة ضئيلة ممن يحق لهم الانتخاب، وهؤلاء المقترعون يتم انتقاؤهم عن طريق قوائم وضعها جهاز الأمن بحيث يضمن أن يكون المجلس أداة من أدواته لتقديم خطاب للعالم أن توجهاته تمثل الإماراتيين.

أما المؤسسة القضائية فأصبحت بالكامل تابعة لجهاز أمن الدولة، ولا تتمتع بأي نوع من الاستقلالية عن جهاز الأمن والسلطات التنفيذية. وتوصل تقرير المقررة الأممية "غربيلا نول" المعنية باستقلال القضاء، إلى أن القضاء الإماراتي غير مستقل ويخضع للسلطة التنفيذية، "وتنعدم وجود مدونة سلوك للقضاة في الدولة"، كما أن "الشرطة والأجهزة الأمنية الأخرى والنيابة العامة يتلاعبون بالأدلة".

تؤكد تقارير أن المحكمة الاتحادية العليا أصبحت مجرد واجهة لتغييب الأشخاص الذين تتوهم أبوظبي أنهم خصوم لها

 

ليس ذلك فقط؛ بل إن الأجهزة الأمنية -خلال عشر سنوات- أصبحت تتحدث في كل الشؤون العامة؛ من حقوق الإنسان إلى التسامح والحريات، بما في ذلك التصريحات والندوات العامة في الجامعات والمعاهد والمدارس. كما سيطر جهاز الأمن على التعليم، وفرض مناهج تعليم تدعم سياسته، وتحرِّض على المنتقدين، وتمجد زعماء وجنرالات دكتاتوريين يمثلون النموذج الذي تتبناه الأجهزة الأمنية.

٢- إخراس الفضاء العام: بعد إخضاع المؤسسات التي يفترض بها حماية المواطنين، قام جهاز الأمن بإخراس الفضاء العام من الحديث في الشؤون العامة، وتم هذا السلوك عبر ثلاثة مسارات:

(المسار الأول) عبر القوانين الصارمة: حيث قامت أبوظبي بفرض قوانين اتحادية وتعديل أخرى تتعارض مع الدستور والقوانين التأسيسية للدولة، وطوعت مواد تلك القوانين لتحقيق غايتها في إسكات أصوات الإماراتيين. وأبرز تلك القوانين: جرائم تقنية المعلومات (2012)، مكافحة الإرهاب (2014)، مكافحة التمييز والكراهية (2015)، وتعديل قوانين أخرى متعلقة بالعقوبات والصحافة. وجرى تعديل القوانين سيئة السمعة في السنوات اللاحقة لتزداد توسعاً وتطرفاً؛ فعلى سبيل المثال تم تعديل قانون "جرائم تقنية المعلومات" ليصبح قانون "مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية" والذي دخل حيز التنفيذ مطلع العام الجاري.

وتحتوي تلك القوانين على مصطلحات فضفاضة وغير دقيقة، مثل: الإضرار بـ"أمن الدولة" وتقليل "ثقة العامة" بالسلطات، و"إثارة الرأي العام"، و"استهداف النسيج الاجتماعي"، و"السخرية أو الإضرار بمصالح الدولة أو أجهزتها الحكومية، أو الإساءة إلى سمعتها أو هيبتها أو مكانتها"، و"الإساءة لدولة أجنبية" وغيرها من العبارات الفضفاضة التي أضفت الصبغة القانونية لممارسات السلطات القمعية لأي شكل من أشكال الاعتراض أو الانتقاد أو ممارسة الحق في حرية التعبير.

 

(المسار الثاني) المراقبة الدقيقة لمنصات التواصل الاجتماعي: تؤمن سلطات أبوظبي بالدور المهم لمنصات التواصل الاجتماعي، وفي نفس الوقت تخشى من أثره الخطير في توعية المجتمع وإظهار رفضه لسياستها سواءً في القضايا المحلية أو السياسة الخارجية. ولتحقيق ذلك نشرت السلطات ما يشبه الدوريات على الإنترنت لمطاردة المنتقدين، كما فرضت حجم مراقبة هائلة على كل المنصات، وجرمت استخدام الحسابات الوهمية على شبكات التواصل، وحظرت استخدام (VPN) في الدولة حتى تتمكن من الوصول بسهولة للأشخاص، وساعد في ذلك برنامج "عين الصقر" الذي يتعرف على الوجوه مع انتشار عشرات الآلاف من الكاميرات المرتبطة بوحدة خاصة في أبوظبي.

كما شكلت وحدات تجسس من مخترقين عالميين عملوا في أجهزة مخابرات دولية (معظمهم أمريكيون)، وشركات تبيع برامج وأدوات التجسس، فعملت على اختراق أجهزة وحواسيب مسؤولين سياسيين وشيوخ وصحافيين ورجال أعمال ومعارضين ونشطاء ومواطنين، وحتى أشخاص من دول أخرى، وارتفع عدد الضحايا من 1100 شخص عام 2016 إلى أكثر من 10 آلاف شخص في 2021. وبموجب تلك المعلومات المأخوذة من الأجهزة والاتصالات جرى اعتقال مواطنين إماراتيين، ومكّنت القوانين سيئة السمعة أبوظبي من سجنهم بناء على تلك البيانات، حتى لو كان حديثا شخصيا، عوضاً عن استخدامها لابتزاز المسؤولين والسياسيين.

(المسار الثالث) التحكم في المساجد والمراكز الدينية: فقد كيّفت سلطات أبوظبي القوانين -بما في ذلك قانون بشأن تنظيم ورعاية المساجد (2017)- لإخراس أقدم الطُرق للتجمع ومناقشة قضايا الأمة والمواطنين واحتياجاتهم؛ ففرضت نظام مراقبة صارم على المسلمين في الدولة أكثر من أي ديانة أخرى، وهو ما أصبح "ماركة إماراتية" خاصة بالتضييق على المسلمين وفتح المجال للديانات الأخرى. إذ يلزم ترخيص "لعقد حلقة لتحفيظ وقراءة القرآن الكريم أو إلقاء محاضرة، أو جمع التبرعات، أو توزيع الكتب أو المواد الصوتية في المساجد. كما يحظر القانون على موظفي المساجد إلقاء الخطب وتعليم الدروس الدينية خارج المساجد".

وحكرت أبوظبي إدارة المساجد على طائفة واحدة "الصوفيين" المُعينين من السلطات، وفرضت خطبة موحدة تعدِّها مسبقاً. في حين أن مخالفة أي من ذلك تعتبر جريمة تودي بصاحبها إلى السجن لسنوات وغرامة مالية كبيرة.

أوكلت أبوظبي مهمة المساجد إلى "الصوفيين" المعينين من قبلها - مسجد الشيخ زايد الكبير بأبوظبي

٣- استخدام شماعة الإرهاب: استخدمت سلطات أبوظبي "مكافحة الإرهاب" كأداة لإسكات منظمات المجتمع المدني والمواطنين في الداخل والخارج بوصمهم بـ"الإرهاب" إذا ما شكلوا أي تجمع، أو انتقدوا سياسات الدولة أو تضامنوا مع أي شخص أو فئة لا ترضى عنها السلطة.

واتفق مقررو الأمم المتحدة في رسالة رسمية في نوفمبر2020 على أن أبوظبي تستخدم قانون مكافحة الإرهاب لاستهداف المواطنين. وقالوا إنه وبدلاً من محاربة الإرهاب طبقا للمعايير الدولية؛ اعتبرت الإمارات نشاط المنظمات السياسية والدينية والصحفيين والمدونين والمدافعين عن حقوق الإنسان أنشطة إرهابية، وشدّدت في معاقبتهم، وأودعتهم في مراكز مناصحة كشكل من أشكال الاحتجاز الإداري، وهذه المراكز يستمر الاعتقال فيها دون سقف زمني عقب انتهاء الأحكام السياسية بحقهم.

حتى تاريخ كتابة هذا التقرير، تم نقل 25 معتقلاً سياسيا إلى تلك المراكز بعد انتهاء فترة احتجازهم، عدا آخرين جرى نقلهم إليها في السابق وظلوا عدة سنوات قبل الإفراج عنهم بعفو من سلطات أبوظبي.

وخلال السنوات العشر الماضية استخدمت أبوظبي وصم "الإرهاب" لترهيب المجتمع والمنتقدين؛ فوضعت في قوائمها منظمات وجمعيات محلية ودولية تتعارض مع سياستها، بينها جمعية الإصلاح والتوجيه الاجتماعي، وجمعيات أخرى مختصة بالعمل التربوي الشبابي مثل "شباب المنارة"، وعشرات المنظمات الأخرى، بينها منظمات في أوروبا والولايات المتحدة معروف عنها الاعتدال وهو ما رفضته سلطات تلك الدول، من بينها "منظمة الكرامة لحقوق الإنسان" التي دائماً ما تبنت قضايا المعتقلين في الإمارات والخليج في مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة.

وليست المنظمات وحدها؛ بل حتى المواطنون الموجودون خارج البلاد، وجهت لهم رسالتها (وهي رسالة أيضاً للداخل) بأن الانتقاد قد يضعهم في قوائم الإرهاب؛ حيث صنفت العام الماضي أربعة معارضين إماراتيين كإرهابيين بسبب انتقادهم سجل حقوق الإنسان في الدولة، وسياساتها المحلية والدولية.

٤- سحب الجنسية والحرمان من الحقوق: وهذا جزء من إستراتيجية إرهاب المجتمع أن العقوبات لا تستهدف من يتجرأ على الانتقاد، بل تتوسع لتشمل عائلته والقريبين منه، فتصادر حقوقهم في "الوظيفة العامة، والتعليم الحكومي، وامتيازات الصحة، ومعظم الخدمات الحكومية، وتحذير جيرانهم وأقاربهم من مخالطتهم أو الزواج منهم لعزلهم عن المجتمع". كما تشمل تجريم التعاطف مع المعتقلين حتى لو كانوا أقاربهم، تماماً كما حصل في القضية المعروفة إعلاميا "بالمواطنين السبعة" الذين سُحبت منهم جنسياتهم وأوراق ثبوتيتهم؛ أو كما حصل مع الشاب الإماراتي "أسامة النجار" الذي تعاطف على تويتر مع والده (المسجون في قضية الإمارات 94 ) فحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات؛ أو مثلما حصل مع الكاتبة "ظبية خميس" التي تمت إحالتها للتحقيق ومنعها من السفر في سبتمبر 2020 بقرار من أبوظبي بسبب رفضها التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي.

٥- السجون والتعذيب: شنت السلطات خلال العقد الماضي اعتقالات واسعة طالت معظم الموقعين على عريضة مارس 2011 سالفة الذكر، وقامت بإخفائهم قسراً، وتعذيبهم في سجون سرية وحاكمتهم سياسياً، وهؤلاء من مختلف التوجهات الفكرية ومن مختلف الفئات؛ (مسؤولون حكوميون، أكاديميون، محامون، رجال أعمال، صحافيون، مفكرون، قيادات طلابية، طلاب، شيوخ، وقادة مجتمع مدني...). نذكر منهم على سبيل المثال: الشيخ الدكتور سلطان بن كايد القاسمي وهو ابن عم حاكم إمارة رأس الخيمة ورئيس جمعية الإصلاح والتوجيه الاجتماعي، والفقيه الدستوري والمحامي الدكتور محمد الركن، والشيخ الدكتور محمد عبدالرزاق الصديق، والناشط الحقوقي البارز أحمد منصور، والأكاديمي والخبير الاقتصادي الدكتور ناصر بن غيث، وغيرهم الكثير. ووصلت الاعتقالات لما يزيد على 200، ممن تمكن الوصول إلى أسمائهم، معظمهم اعتقلوا بسبب تعبيرهم عن آرائهم.

 

خلاصة القول:

أن العقدين الماضيين كانا الأسوأ في تاريخ البلاد في ملف الحريات العامة وحقوق الإنسان؛ إذ نجح جهاز أمن الدولة في تحويل آمال المواطنين بالمشاركة السياسية التي وعد بها المغفور له الشيخ خليفة بن زايد إلى "إرهاب وخوف"، مستثمراً في الأدوات التي سيطر عليها لزيادة الفجوة بين الشعب وحكامه، وعدم الثقة بين أفراد المجتمع، بإشعارهم بأن أي شخص يمكن أن يكون عميلاً لجهاز الأمن، ومصدراً "لتقارير خبيثة" ضد أي فرد يسعى للتعبير عن رأيه وتطوير بلده بالنقد البناء.

وبحقبة جديدة مع اختيار صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد رئيساً للدولة يأمل سكان الإمارات باستعادة إرث الآباء المؤسسين في الاستماع لصوت الناس وبتصحيح مسار حقوق الإنسان في الدولة.